ميرزا محمد حسن الآشتياني
149
بحر الفوائد في شرح الفرائد ( ط مكتبة المرعشي )
( وأمّا ) الموضع الثالث فلا إشكال في عدم الجواز فيه أيضا حتى في الوقت المشترك من جهة الشكّ في حصول الشرط الواجب وهو الترتيب مع الإتيان على هذا الوجه فيستقل العقل في الحكم بعدم الجواز من هذه الجهة وإن كان الأمر محتملا وكذا حصول الترتيب إذ احتمال الأمر إنما يجدي فيما تحقق شرط الواجب مع مراعاته كما في الموضع الأول لا فيما لم يعلم مع مراعاته بتحقق الشرط ومما ذكرنا يظهر أنه لا مجرى للأصل في محل البحث حيث إن المنع فيه مستند إلى نفس الشكّ فيتوجه المناقشة كما أشرنا إليه سابقا إلى ما أفاده بقوله ولذا لا يجوز الإتيان بجميع محتملات العصر اللهم إلا أن يحمل على المماشاة والتسليم هذا ما أدّى إليه النظر في حكم المواضع عاجلا وعليك بالتأمّل فيه وعدم المبادرة إلى ردّه والله العالم وهو العاصم [ في دوران الواجب بين الأقل والأكثر ] ( قوله ) قدس سره الثاني فيما دار الأمر في الواجب بين الأقل والأكثر ( 1 ) ( أقول ) قد عرفت ممّا أسمعناك سابقا في بيان دوران الأمر بين المتباينين موضوعا الفرق بينه وبين دوران الأمر بين الأقل والأكثر وأن مرجع الدوران هناك ولو كان بين الأقل والأكثر إلى أقل بشرط لا والأكثر بشرط شيء كالقصر والتمام وهذا بخلاف المقام فإن مرجع الدوران فيه إلى أقلّ لا بشرط والأكثر حتى فيما احتمل مانعيّة شيء للمأمور به فإن مرجعه إلى الشكّ في الشرطيّة بالنسبة إلى عدمه فلو كان الواجب هو الأمر الغير المربوط بعدمه كان لا بشرط بالنسبة إليه لا محالة ومن هنا أدرجه شيخنا قدس سره في أقسام المقام وتعرّض لحكم دوران الأمر بين الجزئيّة والمانعيّة فيما سيأتي من كلامه ( ثمّ ) إنّ موضوع البحث ومحلّه هو الأقلّ والأكثر الارتباطيين فإنه من صور الشكّ في المكلّف به ودورانه وإن كان القائل بالبراءة قائلا برجوع الشكّ بالنسبة إلى الزائد والأكثر إلى الشكّ في التكليف كما ستقف عليه وأما الأقل والأكثر الاستقلاليّان فهو خارج عن محل البحث وموضوعه فإن وجود الأكثر على تقدير وجوبه ليس معتبرا في صحة الأقل وسقوط الأمر به فإنّ الأمر المعلّق بالأقلّ فيه نفسيّ استقلاليّ على كل تقدير فهو خارج عن موضوع الشكّ في المكلّف به وداخل في الشكّ في التكليف حقيقة من غير فرق بين تعلّق العلم التفصيلي أوّلا بالأقلّ والشكّ بالزائد وبين انحلال المعلوم إجمالا إلى معلوم تفصيليّ ومشكوك على ما عرفت شرح القول فيه في مطاوي كلماتنا عند التكلم في حكم الموضع الأوّل يعني الشك في التكليف فما في كلام بعض المتأخرين من إدراجه في المقام ليس ممّا ينبغي وإن كان المتراءى من الأكثر تبعا للشيخ قدس سره القول بجريان قاعدة الاشتغال والتمسّك بها في بعض جزئيّاته وفروضه كدوران الفائتة بين الأقل والأكثر مع التزامهم به في سائر جزئيّاته وفروضه على ما عرفته من كلام شيخنا في الموضع الأوّل فإن مجرد ذكر القاعدة اعتمادا أو تأييدا في بعض جزئيّات المسألة لا يوجب دخولها في الشكّ في المكلّف به كما هو واضح ثمّ إن الكثرة المحتمل اعتبارها قد تلاحظ بحسب الوجود الخارجي للمأمور به فيكون الأكثر المحتمل وجوبه زائدا بحسب الوجود الخارجي على الأقل فيكون الزائد من مقولة الكمّ ويعبّر عن هذا القسم بالشك في الجزئيّة وقد تلاحظ بحسب الوجود الذهني للمأمور به فيكون التركب ذهنيّا مع اتحاد وجود المحتمل اعتباره في المأمور به معه في الخارج فيكون الزائد من مقولة الكيف فالمعتبر حقيقة هو تقييده لا نفسه ويعبّر عنه بالشكّ في الشرطيّة ويدخل فيه الشكّ في المانعة أيضا من حيث إن تقييد المأمور به بعدم المانع كتقييده بوجود الشرط فالشرط دائما من الحيثيّة المعتبرة في المأمور به خصوصيّة متحدة معه في الوجود من غير فرق بين ما يحتاج إلى إيجاد فعل في الخارج لتحصيلها في الغالب كالطهارة ونحوها مما يعتبر في الصلاة وهو المراد من الانتزاع في كلامه قدس سره وبين غيره مما لا يحتاج في الغالب إليه وإن توهّم الفرق بينهما حكما بإلحاق الأول بالشكّ في الجزئيّة من حيث الرجوع إلى البراءة والثاني بالمتباينين من حيث الرجوع إلى قاعدة الاشتغال كما ستقف عليه من كلام شيخنا العلّامة ومن هنا أفرده في التكلم والبحث ثمّ إن الكلام في المسألة كسائر مسائل الباب قد يقع في الشبهة الحكميّة الراجعة إلى عدم تبيّن القضيّة الشرعيّة إما من جهة عدم الدليل أو إجماله بالمعنى الأعمّ الذي عرفت المراد منه أو تعارض الدليلين وقد يقع في الشبهة الموضوعيّة فالمراد من النصّ في الكتاب هو الدليل لا خصوص الحديث أو قسم منه كما هو واضح [ في بيان حكم الأقل والأكثر ] ( قوله ) والظاهر أنه المشهور بين العامة والخاصّة إلى آخره ( 2 ) ( أقول ) ما استظهره قدس سره من ذهاب المشهور إلى البراءة بقول مطلق بعد حمل تمسّك جمع من القدماء بقاعدة الاشتغال في بعض جزئيّات المسألة على التأييد لما دلّ على حكم مورد التمسّك كما ترى تمسّكهم بها فيما اتفقوا على كون الأصل فيه البراءة كالشكّ في التكليف خصوصا الشبهة الوجوبيّة في كمال الاستقامة وإن زعم بعض خلافه وذكر آخر كالمحقق المحشيّ على المعالم أنه اختلف نقل الشهرة على طرفي المسألة واضطربت فيها كلماتهم وكيف كان ما اختاره شيخنا هو الحقّ الذي لا محيص عنه وإن ذهب جمع من أفاضل المتأخّرين ممن قارب عصرنا أو عاصرناه إلى وجوب الاحتياط منهم الأستاذ الشريف شيخ شيخنا قدّس اللّه سرّهما ( وبالحريّ ) أن نتعرّض أوّلا لما اعتمدوا عليه على سبيل الإجمال والاختصار ثمّ نعقبه بالكلام فيما أفاده قدس سره من دليل المختار ( فنقول ) إنهم تمسّكوا على ذلك بوجوه ( أحدها ) ما يظهر من غير واحد من حكم العقل بذلك من حيث إن الشغل اليقيني بالتكليف بالأمر المردّد بين الأقل والأكثر يقتضي البراءة اليقينيّة وتحصيل العلم بفراغ الذمة عنه في حكم العقل على ما هو الأصل في جميع ما يكون من هذا القبيل ضرورة كون مبنى الأصل المذكور هو حكمه بلزوم دفع الضرر المحتمل من غير فرق بين الموارد ولا يحصل العلم بالفراغ من هذا التكليف النفسي إلّا بإتيان الأكثر فإنه على تقدير وجوب الأكثر يكون فعل الأقلّ لغوا فلا يقال إن القدر الثابت هو وجوب الأقل ووجوب الزائد مشكوك فالاشتغال اليقيني إنما هو بالنسبة إليه وأمّا الأكثر فاشتغال الذمة بالنسبة إليه مشكوك فيرجع إلى البراءة كما يرجع إليها بالنسبة إلى الأقل والأكثر الاستقلاليين ضرورة منافاته لفرض الدوران في المقام فإن الثابت هو وجوب الأقل بالمعنى الأعمّ لا وجوبه بالوجوب النفسي وإلا لم يكن الواجب النفسي مردّدا بين الأمرين